فخر الدين الرازي

6

تفسير الرازي

يكونوا يحتسبون ) * ( الزمر : 47 ) وقوله : * ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ) * ( ق : 22 ) ، الثالث : أن القلوب تتقلب في ذلك اليوم طمعاً في النجابة وحذراً من الهلاك والأبصار تنقلب من أي ناحية يؤمر بهم ، أمن ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ؟ ومن أي ناحية يعطون كتابهم أمن قبل الإيمان أم من قبل الشمائل ؟ والمعتزلة لا يرضون بهذا التأويل ، فإنهم قالوا إن أهل الثواب لا خوف عليهم البتة في ذلك اليوم ، وأهل العقاب لا يرجون العفو ، لكنا بينا فساد هذا المذهب غير مرة الرابع : أن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر ، والأبصار تصير زرقاً ، قال الضحاك : يحشر الكافر وبصره حديد وتزرق عيناه ثم يعمى ، ويتقلب القلب من الخوف حيث لا يجد مخلصاً حتى يقع في الحنجرة فهو قوله : * ( إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ) * ( غافر : 18 ) ، الخامس : قال الجبائي المراد بتقلب القلوب والأبصار تغير هيئاتهما بسبب ما ينالها من العذاب ، فتكون مرة بهيئة ما أنضج بالنار ومرة بهيئة ما احترق ، قال ويجوز أن يريد به تقلبها على جمر جهنم وهو معنى قوله تعالى : * ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) * ( الأنعام : 110 ) . المسألة الثالثة عشرة : قوله : * ( ليجيزهم الله أحسن ما عملوا ) * أي يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله ويثيبهم على أحسن ما عملوا ، وفيه وجوه : الأول : المراد بالأحسن الحسنات أجمع ، وهي الطاعات فرضها ونفلها ، قال مقاتل : إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم . الثاني : أنه سبحانه يجزيهم جزاء أحسن ما عملوا على الواحد عشراً إلى سبعمائة الثالث : قال القاضي : المراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم وإنما يجزيهم الله تعالى بأحسن الأعمال ، وهذا مستقيم على مذهبه في الإحباط والموازنة . أما قوله تعالى : * ( ويزيدهم من فضله ) * فالمعنى أنه تعالى يجزيهم بأحسن الأعمال ولا يقتصر على قدر استحقاقهم بل يزيدهم من فضله على ما ذكره تعالى في سائر الآيات من التضعيف ، فإن قيل فهذا يدل على أن لفعل الطاعة أثراً في استحقاق الثواب ، لأنه تعالى ميز الجزاء عن الفضل وأنتم لا تقولون بذلك ، فإن عندكم العبد لا يستحق على ربه شيئاً ، قلنا نحن نثبت الاستحقاق لكن بالوعد فذاك القدر هو المستحق والزائد عليه هو الفضل ثم قال : * ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) * نبه به على كمال قدرته وكمال جوده ونفاذ مشيئته وسعة إحسانه ، فكان سبحانه لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة ، ومع ذلك يكونون في نهاية الخوف ، فالحق سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم ، ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم . قوله تعالى * ( وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ